Loading...
رئيس مجلس الإدارة
د.حاتم صادق

المصرى اون لاينبوابة خبرية متخصصة

رئيس التحرير
قدري الحجار

سوريا بعد الإعلان الدستوري
الدكتور حاتم صادق

الدكتور حاتم صادق

مسودة الإعلان الدستوري المؤقت في سوريا، التي تم توقيعها من قبل الرئيس المؤقت أحمد الشرع قبل ايام، أثارت جدلاً واسعاً بين مختلف الأطراف السياسية والمجتمعية في البلاد. وفى حقيقة الأمر فان مواد هذا الدستور تثير الكثير من الانتقادات خاصة فيما يتعلق بحجم السلطات التي يتمتع بها الرئيس بموجب بنود هذا الدستور الذي كرس اغلب السلطات تقريبا إذا لم يكن جميعها في الشرع، مثل تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب وحق إعلان حالة الطوارئ واختيار أعضاء المحكمة الدستورية وحق اقالة الوزراء وغيرها من السلطات التي تجعله سيد قراره، مما يثير مخاوف من إعادة إنتاج نظام استبدادي مشابه لما كان قائماً في عهد النظام السابق. هذا التركيز يتعارض مع مبدأ الفصل التام بين السلطات الذي أُعلن عنه في المسودة، حيث يبدو أن السلطة التشريعية (مجلس الشعب) تخضع جزئياً لسيطرة السلطة التنفيذية بدلاً من أن تكون مستقلة ومنتخبة ديمقراطياً.

المسودة تعتمد على تعيين أعضاء مجلس الشعب بدلاً من انتخابهم، وهو ما ينتقص من الشرعية الديمقراطية للعملية السياسية في المرحلة الانتقالية. على سبيل المثال، فان المادة 25 تمنح صلاحيات تشريعية واسعة لمجلس معين، وهي صلاحيات يفترض أن تكون حصرية لمجلس منتخب. هذا النهج يثير تساؤلات حول مدى تمثيل المجلس لإرادة الشعب السوري، خاصة في ظل غياب آليات انتخابية واضحة خلال الفترة الانتقالية التي تمتد من 3 إلى 5 سنوات.

الإدارة الذاتية الكردية انتقدت المسودة، معتبرة أنها تتجاهل التنوع الثقافي والعرقي في سوريا. وأعرب “مجلس سوريا الديمقراطية” الجناح السياسي الكردى عن رفضه للإعلان الدستوري لأنه يتبع “نمطاً تقليدياً” مشابهًا لنهج حكومة البعث السابقة، ولا يعكس التعددية الموجودة في البلاد. هذا الانتقاد يشير إلى أن المسودة قد فشلت في تقديم رؤية جامعة تدمج المكونات المختلفة، مثل الأكراد والدروز، في عملية صنع القرار السياسي، مما قد يؤدي إلى تفاقم الانقسامات بدلاً من تعزيز الوحدة الوطنية.

وعلى الرغم من أن المسودة تؤكد على مفهوم العدالة الانتقالية وتجريم انتهاكات النظام السابق، فإن غياب تفاصيل عملية حول كيفية تطبيق هذه المبادئ يثير الشكوك حول جدية الالتزام في ظل عدم تحديد آليات محاسبة أو تعويض الضحايا، مما قد يجعل هذه الوعود مجرد خطاب سياسي لتهدئة الرأي العام دون تنفيذ فعلي.

بالفعل المسودة الحالية تستند إلى روح دساتير سابقة، مثل دستور 1950، دون تقديم تغييرات جذرية تتماشى مع تطلعات الثورة السورية. على سبيل المثال، ذكر رئيس سلطة الامر الواقع في سوريا احمد الشرع أن دستور 2012 كان “من صنع الديكتاتور السابق”، لكن المسودة الحالية لا تبدو منفصلة تماماً عن النموذج المركزي التقليدي. هذا التوجه قد يعكس محاولة للحفاظ على استقرار مؤسسات الدولة على حساب التغيير الشامل الذي يطالب به الكثيرون.

من المفترض ان تعكس مسودة الإعلان الدستوري المؤقت في سوريا محاولة لضبط المرحلة الانتقالية ضمن إطار قانوني، لكنها فعليا ستواجه تحديات كبيرة تتمثل في تركيز السلطة، ضعف التمثيل الديمقراطي، وتهميش التنوع السوري. كما انها لا تلبي تطلعات السوريين لنظام جديد يعكس التضحيات التي قدموها، وقد تكون أقرب إلى إعادة صياغة النظام القديم بدلاً من بناء نموذج جديد. الأخطر ان هذا الإعلان المؤقت قد يفجر الأوضاع في البلاد على مختلف المناخى السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والعسكرية. 

المشهد الحالي في سوريا، قد يؤدي إلى تصعيد أو تفجير الأوضاع، مع الأخذ بعين الاعتبار ردود الفعل المحلية والإقليمية. أولها، رفض الأطراف الرئيسية مثل المكون الكردى والدرزى للمسودة
  معتبرين إياها لا تعكس التنوع السوري ولا تلبي مطالب الشراكة السياسية. إذا شعرت هذه القوى، المدعومة من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بأنها مهمشة أو مهددة، فقد تلجأ إلى التصعيد العسكري أو تعزيز انفصالها الفعلي عن دمشق، مما يزيد من مخاطر النزاع.

ثانيها، غياب التوافق الوطني
 على المسودة لانها لم تخرج من خلال حوار وطني شامل يشمل جميع الفصائل والمكونات السورية، مثل المعارضة المسلحة في الشمال الغربي (مثل هيئة تحرير الشام) أو الجماعات وغيرها. هذا الاستبعاد قد يدفع هذه الأطراف إلى رفض الشرعية السياسية للحكومة الانتقالية، وربما استئناف العمليات العسكرية ضد دمشق أو بعضها البعض، خاصة إذا رأوا أن مصالحهم ليست مضمونة.

ثالثها، ورغم ما يشاع فان هناك حالة من الاستياء الشعبي خاصة داخل السوريون الذين قاتلوا من أجل الإطاحة بالنظام السابق وقد يرون في المسودة استمرارية للنظام القديم بثوب جديد، خاصة مع تركيز السلطة في يد الرئيس المؤقت وعدم وجود انتخابات فورية. هذا الشعور قد يؤدي إلى احتجاجات شعبية أو عصيان مدني، وفي ظل وجود السلاح المنتشر في أيدي المدنيين والفصائل، قد تتحول هذه الاحتجاجات إلى مواجهات مسلحة.

رابعها، خطر التدخلات الإقليمية مثل إيران وروسيا، التي لها مصالح متضاربة في سوريا، قد تستغل نقاط الضعف في المسودة لتعزيز نفوذها. على سبيل المثال، إيران قد ترى في المسودة تهديداً لمصالحها إذا أدت إلى حكومة انتقالية موالية للغرب أو تقلص دور الميليشيات المدعومة منها.

خامسها، حالة الفراغ الأمني التي تشهدها البلاد، وإذا فشلت الحكومة الانتقالية في فرض سلطتها بسرعة على كامل الأراضي السورية، خاصة في ظل ضعف الجيش الوطني بعد انهيار النظام السابق، فقد يؤدي ذلك إلى صراعات محلية بين الفصائل المسلحة للسيطرة على المناطق، مما يفاقم الفوضى ويفتح الباب أمام تفجير الأوضاع. صحيح هناك الدعم الدولي وترحيب دول مثل الاتحاد الأوروبي وكندا بالمسودة بما قد يوفر دعماً مالياً وسياسياً للحكومة الانتقالية، مما يساعدها على تثبيت الأوضاع مؤقتاً. لكن هذا الدعم مشروط بإثبات الاستقرار، وأي فشل قد يؤدي إلى انسحابه.

سادسها، بسبب حالة الانهاك التي يعاني منها الشعب هناك بعد ما يزيد عن عقد من الصراع والاحتراب الداخلى والخارجى، قد يفضل الكثير من السوريين قبول حل وسط، حتى لو كان غير مثالي، على العودة إلى النزاع المسلح. 
هذا العامل قد يخفف من حدة الرفض الشعبي للمسودة، لكنه لن ينهيه بالتأكيد مما يجعله جاهزا للانفجار في اى لحظة مع استمرار حالة التردى الاقتصادى وغياب الامن.

سابعها، هي حالة ضعف الفصائل المعارضة والفصائل المسلحة، سواء في الشمال الغربي أو الشرقي، التي تعاني من انقسامات داخلية واعتمادها المستمر على دعم خارجي. قد يؤدو الى استمرار حالة النزاع بسبب غياب عنصر الحسم لصالح طرف واحد، بالتالى سوف تنهار الثقة بالحكومة الانتقالية بالكامل، مما يفتح الطريق مجددا امام سقوط سوريا إلى في حالة الفوضى العامة.

نعم، الإعلان الدستوري المؤقت يحمل في طياته مخاطر تفجير الأوضاع في سوريا، خاصة بسبب غياب التوافق الوطني، تهميش مكونات رئيسية، والفراغ الأمني المحتمل. لكن احتمالية التفجير تعتمد على قدرة الحكومة الانتقالية على احتواء الرفض الداخلي وكسب تأييد شعبي وإقليمي. في الوقت الحالي، الوضع يبدو متوازناً على حافة الهاوية، وقد تكون الأشهر القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت المسودة ستكون أداة للاستقرار أو شرارة لجولة جديدة من الصراع.

إعادة الأمور إلى نصابها في سوريا في ظل الإعلان الدستوري المؤقت المثير للجدل تتطلب نهجاً شاملاً يعالج التحديات السياسية والاجتماعية والأمنية، وإذا كان الهدف هو تحقيق استقرار مستدام يمنع تفجير الأوضاع ويضع البلاد على مسار التعافي، سيكون الجميع في حاجة الى..

أولا: حوار وطني شامل، يجب على الحكومة الانتقالية دعوة جميع الأطراف السورية – بما في ذلك الإدارة الذاتية الكردية، الفصائل المسلحة في الشمال الغربي، المعارضة السياسية، والمجتمع المدني – إلى مؤتمر وطني لمراجعة المسودة. هذا الحوار يجب أن يكون برعاية دولية (مثل الأمم المتحدة) لضمان الحيادية. 

ثانيا تعديل المسودة: إدراج تعديلات تعكس التعددية السورية، مثل ضمانات دستورية للحقوق الثقافية والسياسية للأكراد والمكونات الأخرى، وتقليص صلاحيات الرئيس المؤقت لصالح مجلس شعب منتخب. 

ثالثا تعزيز الشرعية الديمقراطية، وجدولة انتخابات مبكرة بدلاً من الاعتماد على مجلس معين لمدة 3-5 سنوات، يمكن وضع خارطة طريق لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال عام أو عامين، مع ضمانات دولية لشفافيتها. هذا سيمنح الحكومة الانتقالية شرعية شعبية ويقلل من الاستياء. 

رابعا، مشاركة المجتمع المدني: إشراك المنظمات غير الحكومية والناشطين في صياغة السياسات الانتقالية لضمان تمثيل أوسع للشعب. 

خامسا، معالجة التنوع السورى، واعتماد شكل من أشكال الحكم اللامركزي يمنح المناطق، مثل الشمال الشرقي والشمال الغربي، درجة من الحكم الذاتي في إدارة شؤونها المحلية، مع الحفاظ على وحدة الدولة. هذا قد يرضي الأكراد والفصائل المدعومة من تركيا ويقلل من مخاطر الانفصال.

سادسا، حماية الأقليات: وإدراج مواد دستورية صريحة تحمي حقوق الأقليات الدينية والعرقية (مثل الدروز، المسيحيين، والعلويين) لتهدئة مخاوفهم من التهميش. سابعا، نزع السلاح: وضع خطة لنزع سلاح الفصائل المسلحة تدريجياً، مع دمج مقاتليها في جيش وطني موحد أو تقديم برامج إعادة تأهيل اقتصادي لهم.

ثامنا، إعادة بناء الأمن والمؤسسات وإعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لتكون محايدة وتمثل جميع السوريين، مع إشراف دولي لضمان عدم عودة الاستبداد.

اخيرا إدارة التدخلات الإقليمية وإيجاد تفاهمات مع القوى الإقليمية: التفاوض مع تركيا لضمان مصالحها الأمنية (مثل الحد من تهديد PKK)، ومع روسيا وإيران لتقليص وجودهما العسكري مقابل ضمانات سياسية واقتصادية. هذا يتطلب وساطة دولية من قوى مثل الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة.

إعادة الأمور في سوريا إلى نصابها تتطلب تحويل الإعلان الدستوري من وثيقة مثيرة للجدل إلى أداة للوحدة من خلال التوافق الوطني، الشرعية الديمقراطية، ومعالجة التنوع والأمن. بدون هذه الخطوات، قد يصبح الدستور نقطة انطلاق للصراع بدلاً من الاستقرار. النجاح يعتمد على قدرة الحكومة الانتقالية على الاستماع للشعب والأطراف الفاعلة، وكذلك على دعم دولي متكامل يتجاوز التصريحات إلى التنفيذ الفعلي. إذا تم تحقيق ذلك، يمكن لسوريا أن تتجنب الانفجار وتبدأ مرحلة تعافٍ حقيقية.



تواصل معنا